الأمية الرقمية: عزلت المرأة العراقية عن العالم الخارجي

بدون أي خطة واضحة من الحكومة للتعامل مع محو الأمیة الرقمیة: غالبیة النساء العراقیات یتخلفن عن العالم في مواكبة التطورات التكنولوجیة وآلاف النساء لیس لدیھن المھارات الكافیة لاستخدام الأدوات الرقمیة بسبب الأمیة الرقمیة …

“أنشغلت بأمور البیت وتربیة الأطفال والان كثيراً ما أسأل من أطفالي أن یعلموني كيفية استخدام الحاسوب و الانترنت” 

زينب

بھذه العبارة القصیرة لخصت لنا زینب مستوى معرفتھا الرقمیة فھي تقضي معظم وقتھا في المطبخ وفي تدبیر أمور المنزل والعائلة بعیدة تماماً عن أي شئي، هي الآن في التاسعة والأربعین من عمرھا زوجة وأم عاملة ولا تملك أي معرفة رقمیة وتعتمد على الورقة و .القلم في حیاتھا معزولة تماماً عن ما یجري في العالم الخارجي من تطور رقمي

كما روت لي زينب عن فترة دراستها في المعهد الإداري وكيف أنها لم تظفر بفرصة لتعلم المهارات الرقمية واستخدام الحاسوب ففي ذلك الوقت لم تكن الكوادر التعليمية ملمَّة بالمهارات الرقمية ولم تتوافر الحواسيب بأعداد كافية لجميع الطلاب في الغرف الصفية، .بالإضافة إلى انعدام وعي الطالبات بأهمية تعلم استخدام الحاسوب لحياتهن بشكل خاص ولمستقبلهن المهني بشكل عام

وعلى هذا الحال أنهت زينب دراستها في المعهد ولم تتجاوز علاقتها بالحاسوب سوى نظرات من بعيد دون أن تتعلم حتى كيفية تشغيله فضلاً عن العمل عليه، فاصبحت بذلك تنتمي إلى فئة الأميات رقيماً حسب تعريف منظمة اليونسكو للأمية الرقمية

تُعرِّف اليونسكو الأمية الرقمية بأنها عدم القدرة على الوصول إلى المعلومات وإدارتها وفهمها ودمجها وتوصيلها وتقييمها وإنشاءها بشكل آمن ومناسب من خلال استخدام التكنولوجيا والتقنيات الرقمية

تم توفير بيانات مسح الشباب التحليلي من قبل وزارة التخطيط العراقية والجهاز المركزي للإحصاء، واشتملت البيانات على معرفة الشباب باستخدام الحاسوب في العراق وبحسب المحافظات العراقية والحضر والريف والجنس في 2019-2020، كما تم توفير المهارات الرقمية للمرأة العراقية وتأثيرها على التعليم والعمر والثروة من قبل البنك الدولي واستطلاعات متعددة المؤشرات من قبل وزارة .التخطيط العراقية

ًالمرأة العراقية أمية رقميا

تظهر بيانات وزارة التخطيط والجهاز المركزي للإحصاء أن اثنتين من كل ثماني نساء في العشرينات من العمر أميات و “لا يستطعن القراءة والكتابة” ، مقارنة بثلاث من كل ثماني نساء في الأربعينيات من العمر، ولكن ماذا عن الأمية الرقمية التي تعد من أهم المهارات في هذا العصر؟

سب 1

للإجابة على هذا السؤال، تم تحليل بيانات البنك الدولي حول محو الأمية الرقمية للإناث في العراق. و وجد أن 96 امرأة من بين كل 100 امرأة في العراق أميات رقمياً ولا يعرفن كيفية استخدام أجهزة الكمبيوتر والطابعات والكاميرات والأجهزة الذكية.

إن معدلات الأمية الرقمية في العراق هي الأعلى بالمقارنة مع جيرانه من البلدان، فمقابل كل واحدة من كل 100 امرأة في العراق يمكنها البرمجة ، هناك 11 في البحرين ، وخمس في قطر ، وستة في الإمارات العربية المتحدة ، و 12 في المملكة العربية السعودية ، و 14 في الكويت (التي لديها أعلى نسبة من مطوري البرمجيات).

2
المصدر: البنك الدولي

أظهر تحليلنا أيضًا أن صفرًا من بين كل 330 فتاة في المدرسة الابتدائية يمكنهن إنشاء عرض تقديمي باستخدام برنامج كمبيوتر مقابل فتاة واحدة في المدرسة الإعدادية و 25 فتاة في المدرسة الثانوية في العراق، وتعكس هذه الأرقام حقيقة أن تعليم الكمبيوتر في المدارس العراقية يبدأ من مرحلة المدرسة الإعدادية ويختلف من مدرسة إلى أخرى.

ولمعرفة مستوى مهارة الحاسوب لدى الشباب العراقي قام الباحثون بتحليل بيانات المسح الذي أجراه الجهاز المركزي للإحصاء عام 2020 حول محو الأمية الرقمية بين الشباب في جميع المحافظات العراقية.

وتبين لهم أنه من بين كل اثنان وثلاثون شابا وشابة هناك ستة ممن يعرفون كيفية استخدام الكمبيوتر في أربيل، وخمسة فقط في كل من السليمانية ودهوك، مقارنة بواحد فقط في كل من محافظتي نينوى وكركوك، التي لديها أقل عدد بين المحافظات.

و مما لا شك فيه أن امتلاك جهاز كمبيوتر شخصي يزيد من مستوى المهارة الرقمية لدى الرجال والنساء، وقد دفع هذا البحث إلى استكشاف عدد الأجهزة الرقمية بين الشباب العراقي, فلكل واحد من كل 10 رجال وشابات في المناطق الريفية يمتلكون جهاز كمبيوتر هناك اثنان في المناطق الحضرية، كما كان معدل ملكية الهاتف الذكي أعلى من ذلك بكثير فمقابل كل تسعة من كل 10 شباب وشابات في المناطق الحضرية يمتلكون هاتفًا ذكيًا ، هناك ثمانية في المناطق الريفية.

ومع ذلك عند مقارنة النسب المئوية للشباب والشابات الذين يمتلكون أجهزة كمبيوتر مع النسب المئوية لمعرفتهم في استخدام أجهزة الكمبيوتر في المناطق الريفية والحضرية وجد أن 3 فقط من كل 25 شابًا وشابة في المناطق الحضرية لديهم معرفة بالكمبيوتر مقارنة بـ 1 فقط في المناطق الريفية.

تأثير التعليم والعمر والثروة على الأمية الرقمية

لا أريد أن أكون أمياً رقمياً، فإذا كان هناك تدريب يمكن أن يساعدني في تعلم المهارات الرقمية فسأكون أول من يشارك “هذا هو الأمل الذي تشاركه وجدان ونساء أخريات أميات رقمياً تمت مقابلتهن “لم يكن موضوع الكمبيوتر من بين المواد التي تعلمناها في الجامعة” تقول وجدان، وهي باحثة اجتماعية متقاعدة تبلغ من العمر 60 عامًا، وتضيف بنبرة حزن “للأسف ، لم يكن الكمبيوتر والإنترنت موجودين خلال سنوات دراستي في عام 1983.”

من أهم الأسباب التي تسببت في أميتي الرقمية في ذلك الوقت ، وتحديداً عندما ظهرت أجهزة الكمبيوتر في السوق ، هو قلة المال. كان من الصعب امتلاك جهاز كمبيوتر في ذلك الوقت بسبب ارتفاع سعره وانخفاض الدخل الذي تلقيناه نحن أعضاء هيئة التدريس.

وجدان 60 عاما باحثة متقاعدة.

مثل آلاف النساء العراقيات نجد وجدان أمية رقمياً في ضوء الحروب والصراعات في التسعينيات, وبحسب تصريحات المتحدث الإعلامي في وزارة التربية حيدر الفاروق فإن الحروب أنهكت البنية التعليمية للعراق وما زالت تداعياتها مستمرة حتى يومنا هذا.

لا توجد فتيات في المدرسة الابتدائية لديهن مهارات البرمجة في حين أن واحدة فقط في المدرسة الإعدادية و 13 في المرحلة الإعدادية من بين كل 330 فتاة يمكنها إنشاء برامج كمبيوتر, يشير هذا إلى أنه كلما تقدمت المرأة في التعليم زادت فرصتها في تعلم المهارات الرقمية مثل البرمجة والامور الاخرى.

بالإضافة إلى ذلك عند مقارنة تأثير التعليم على مهارات المرأة من حيث كيفية عمل برنامج الكمبيوتر باستخدام لغة البرمجة والقدرة على تقديم عرض تقديمي، وجد أن صفراً من بين كل 330 فتاة في المدرسة الابتدائية يمكنها إنشاء العرض التقديمي باستخدام برنامج برمجي، مقارنة بـ 1 في المدرسة الإعدادية و 25 في المدرسة الثانوية في العراق.

توضح البيانات أعلاه تأثير الثروة والعوامل الاقتصادية على قدرة المرأة على العمل أو كتابة برنامج كمبيوتر باستخدام أي لغة برمجة، فمن بين كل 330 فتاة هناك واحدة فقط في الطبقة الفقيرة واثنتان فقط في الطبقة الوسطى تعرفان كيفية العمل في برنامج كمبيوتر باستخدام لغة برمجة، بينما هناك 16 امرأة في الطبقة الثرية، و بمعنى آخر كلما ارتفع مستوى معيشة الفرد زادت فرصة اكتساب المهارات الرقمية، وعلى سبيل المثال عندما يصبح الفرد مستقراً مالياً يمكنه شراء جهاز كمبيوتر أو إنترنت أو حتى المشاركة في تدريب مدفوع الأجر لاكتساب المهارات الرقمية.

كما تم تحليل أعمار النساء عندما يتعلق الأمر بقدرتهن على تقديم عرض باستخدام برامج العروض التقديمية، واحدة فقط من بين كل 100 امرأة عراقية دون العشرين من العمر تعرف كيف تصنع برنامج كمبيوتر باستخدام لغة برمجة، مقارنة باثنتين في العشرينات من عمرها وواحدة في الثلاثينيات والأربعينيات من عمرها.

5

تعتقد مساعدة المدير العام للشؤون الادارية في المديرية العامة للتخطيط التربوي منى خضير أن السبب وراء ارتفاع معدلات الأمية بين النساء في العراق يعود إلى العادات والتقاليد الاجتماعية، خاصة في المناطق الريفية حيث تعليم الفتيات يقتصر على القراءة والكتابة، هذا بالإضافة إلى تدهور الوضع الأمني في العراق مما أدى إلى النزوح وتأخير التعليم أو إيقافه والتحديات الاقتصادية الاخرى المتعلقة بتدني مستويات المعيشة حيث تعطى الأولوية في الدراسة للرجال وليس النساء.

كما أشارت منى خضير إلى أنه ليست كل المدارس في العراق مهيئة للتعليم الرقمي، وأن عدد أجهزة الكمبيوتر المتوفرة في المدرسة لا يتناسب مع عدد الطلاب، و قالت إن مشروع التعليم الرقمي هو جزء من خطط وزارة التربية والتعليم، ولا توجد خطة لاعتماد تعليم المهارات الرقمية لرياض الأطفال أو المدارس الابتدائية.

محو الأمية الرقمية: لم ير النور بعد

تعتقد حوراء ميلاني الخبيرة في قضايا المرأة والتكنولوجيا و طالبة دكتوراه في الأمن السيبراني في كلية لندن الجامعية، أن:

“عندما تمتلك المرأة المهارات الرقمية اللازمة، فهذا يعني أن لديها القدرة على إيصال صوتها ورأيها ، وأن هذا الصوت أو الرأي يسمعه العالم”.

حوراء ميلاني

” عندما أتخيل حياتي بدون المهارات الرقمية والوسائل التكنولوجية المتوفرة حاليًا، سيكون الأمر صعبًا حقًا سأكون بعد ذلك امرأة مقيدة ليس لديها أي صوت أو رأي يعبر عنها أو يمثلها، سأكون مع حرماني من استقلاليتي والقدرة على إحراز أي تقدم أو نجاح في الحياة ولكنت أشعر بالعزلة الكاملة عن العالم وأتجول حول نفسي في نفس المكان دون اتخاذ أي خطوة إلى الأمام “.

وشدَّدت ميلاني على أن القضاء على مشكلة الأمية الرقمية بين العراقيات أمر ممكن، واستشهدت بمنهج المملكة المتحدة كمثال لتقديم التدريبات والمنح الخاصة للنساء فقط، مع مراعاة الأشخاص الذين ليس لديهم عمل وليس لديهم دخل شهري، فتدعم هذه المبادرات النساء المتزوجات والأمهات من خلال ضمان توافق مواعيد الدورات التدريبية مع توافرها.

كما ذكرت ميلاني الحلول المستخدمة في الدول العربية مثل دولة الإمارات، فبعد اختفاء الأمية الأبجدية تقريباً في الإمارات تحولت الدولة إلى محو الأمية الرقمية، لقد وضعت دولة الإمارات بالتعاون مع القطاع الخاص خطة تشمل النساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة، كما أطلقت دولة الإمارات العربية المتحدة مبادرة “مليون مبرمج عربي” للنهوض بالمجتمعات العربية وتزويد الشباب العربي بمهارات البرمجة الأساسية من خلال الدورات التدريبية عبر الإنترنت.

و تنطبق هذه الحلول على العراق أيضًا وفقاً لميلاني، حيث يمكن للبلد التعاون مع القطاع الخاص لتقديم الدعم الفني وتدريب النساء على المهارات الرقمية، وبالفعل ترغب العديد من الشركات الكبيرة في الاستثمار في العراق فيمكن للحكومة العراقية أيضًا أن تقدم للنساء حوافز لتحسين مهاراتهن الرقمية من خلال توفير أجهزة مجانية، مثل الكمبيوتر.

وأكدت ميلاني ايضاً على أن هناك العديد من الحلول التي يمكن تنفيذها في العراق للقضاء على الأمية الرقمية، وستكون بالتأكيد باهظة الثمن لكن ينبغي النظر إلى هذه التكاليف على أنها استثمار، فعندما تحصل المرأة على المهارات الرقمية التي يمكن أن توفر لها فرصة العمل من المنزل فإنها ستساهم في النمو الاقتصادي وتقليل معدل البطالة وكذلك رفع نسبة النساء العاملات في قطاع التكنولوجيا العراقي، ومع ذلك فإن هذه الحلول والبرامج لا تعتمد فقط على إرادة الحكومة ولكن أيضًا على إرادة المرأة للتغيير حيث يجب أن يكون المجتمع على دراية بالحاجة إلى امتلاك المهارات الرقمية في هذا الوقت.

أوضحت ميلاني أيضًا أنه إذا كانت الدولة تريد مساعدة نساء العراق، فهي تحتاج فقط إلى ثلاثة أشياء: كمبيوتر، وإنترنت، وتدريب، ومن ثم لا يمنعها شيء من الوصول الى النجاح.

في الثامن من أيلول / سبتمبر 2021 ، اليوم العالمي لمحو الأمية أعلنت وزارة التربية والتعليم العراقية عن خطط لمحو الأمية وفتح 1000 مركز لمحو الأمية بموجب قانون الأمية الذي لم يطبق بعد، في حين لم تعلن الوزارة عن أي خطط حالية أو مستقبلية بشأن الأمية الرقمية، يجب على الحكومة أولاً التعامل مع الأمية التعليمية ثم الانتقال إلى إيجاد حلول للأمية الرقمية، حيث أن كلاهما مرتبطان ارتباطًا وثيقاً.

Soroor Musawi

Related posts

© 2021 Iraqi Innovators. All rights reserved